ابن بسام
110
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
أظفر اللّه بهم [ ومكّن منهم ، وأعثر على جميعهم ، فلم يفلت منهم أحد ، ولا فات منهم بشر . ولقد اتفق من صنع اللّه الجميل في من غدر وختر ، أن فرّ اثنان منهم فتجاوزا وادي شوش من شرقي قرمونة ، وكنت قد أخرجت خيلا للضرب على بلد باديس ، فخرجا هنالك إلى أيدي تلك الخيل وهي منصرفة بما غنمت ولا علم لهما بما وقع فثقفوهما واستاقوهما ؛ وحصل في قبضتي جميع الصبيان من العبيد المذكورين ] وأقمت حدود اللّه تعالى على الجميع منهم ، وأنفذت حكمه العدل فيهم [ والحمد للّه كثيرا ] . فاعجب يا سيدي لأبناء الزمن ، وأنباء الفتن ، وانقلاب عين الابن [ 37 ب ] المقرّب / المودود ، إلى حال الواتر الحسود ، والثائر الحقود ، واعتبر في ورود المساءة من موطن المسرة ، وطلوع المحنة من أفق المنحة [ وانعكاس بعض الهبات خبالا ، والأعطيات وبالا ] . وقد أربت هذه الحال على كلّ من جرى له أو عليه من الآباء والبنين ، عقوق من السّلف المتقدمين ، فلم يكن أكثر ما وجدناه من ذلك في الأخبار والآثار إلا استيحاشا وشرودا ، ونبوّا وندودا ، إلا ما شذّ لأحد ملوك [ 1 ] الفرس وآخر من [ ملوك ] بني العباس . وجمع هذا اللعين في إرادته ومحاولته بين الشاذّ النادر ، والمنكر الدائر ، وزاد إلى استباحة الدّم ، التعرض لإباحة الحرم ، وإلى ما رام من إتلاف المهجات ، التسامح فيما كان يجري على العورات المصونات ، [ ولولا دفاع اللّه تعالى لامتدت أيدي السّفال فضلا عن أعينهم ، واتّسع خرق لا قوة على رتقه معهم ، وقد قيل : هو الشيء : مولى المرء قرن مباين * له وابنه فيه عدو مقاتل ] وهو زمان فتنة ، وشمول إحنة ودمنة [ 2 ] ، والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم ، وأصدق من هذا قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ( التغابن : 14 ) . [ وقد استجلبت من الغرب ابني محمدا ، ملتزم شكرك ، ومعظّم قدرك ، - وفّقه اللّه - لأقعده مقعده ، وأسدّ به مسدّه ، وأرجو أن يكون أوطأ أكنافا وجوانب ، وأجمل آراء ومذاهب ، وأحمد أخلاقا وضرائب ، واللّه أسأل الخير في ما آتي وأذر ، وأقدّم وأؤخّر ] . نفثت - يا سيدي - نفثة مصدور ، وأطلت في الشّرح والتفسير ، خروجا / إليك عن هذا الخطب الخطير ، والملمّ الكبير ، وهو خبر فيه معتبر ، [ وقلت : ما له ظهور وظفر ، واللّه يتمّ النعمى ، ويجمل العقبى ،
--> [ 1 ] د ط س : لواحد من ملوك . [ 2 ] د ط س : وشمول محنة .